رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
420
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
والمراد هنا الأعمال السيّئة كما نقل عليّ بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين عليهم السلام « 1 » ، والبيضاوي لعدم إثبات الفعل للعبد فسّرها بالبليّة « 2 » ، وعلى ما هو الحقّ فللشيء صفة مسندة إليه بالذات ، وإذا كانت سيّئة فالمسند إليه له أيضاً جهة سوء بالذات ، لا من جهة الخلقة . إذا تمهّد هذا فنقول : المعاني المعلومة في الأزل قسمان : قسم ليس يجوز فيالحكمة أن يوجد ، فلا يوجد أبداً ، والجائز أن يوجد واجب في الحكمة أن يوجد على النحو الذي جوّزته الحكمة ؛ إذ الجواد الغنيّ لا يشترط جوده بشيء سوى إمكان قبوله واحتماله ؛ لأنّه ليس كلّ ماهيّة - أي معنى علمي - تقبل كلّ نحو من الجود ، ألا ترى أنّ ماهيّة العرض لا تقبل جود الوجود قبل ماهيّة الجوهر ، وأنّ ماهيّة السماء لا تقبل هذا الوجود الذي له في البيضة المعروفة ، فخلق العالم بجميع أجزائه مبنيّ على الجود : الصالح والطالح ، والمطيع والعاصي ، والخبيثُ بالذات - الذي هو من جملة المقدورات - قد اقتضى الجودُ إدخالَه في سلسلة الموجودات كإبليس ومردة جنوده من الجنّ والإنس الذين ليست شهوتهم وإرادتهم الذاتيّة إلّاإلى الشرّ وسيّئات الأعمال ، ومقتضى ذاته التدنّس والتلوّث بها ، ومقتضى كونه من مقتضيات الجود أن يدخل في تربية ربّ العالمين ويزال عنه الفساد ، ولكن على حسب ما يقبل ، فمَثَله كمثل من ولد مجذوماً ومادّة الجذام كامنة في بدنه غير قابلة للقلع بالدواء ، والطبيب المشفق يعالج اللحوم المتآكلة البالية المتعفّنة بأدوية حادّة شديدة اللذع ، فتتناثر وينبت مكانها لحم صالح ، والمادّة تفسده أيضاً والطبيب يعالجه ، فلا يزال أذيّة الأدوية اللذّاعة واردة عليه ولكن لا على سبيل الغيظ والانتقام ، بل على سبيل الترحّم حسب
--> ( 1 ) . تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 144 . ( 2 ) . تفسير البيضاوي ، ج 2 ، ص 221 .